السيد محمد حسين الطهراني

73

معرفة المعاد

واللحظات للحصول على مثل هذه الأمور ، لذا فانّ المحبّة والتعلّق بكلّ واحد من هذه الأشياء سينشأ لديهم قهراً ، فيصبح كلًا منها قيداً يقيّد قلوبهم ورغباتهم ويشدّها اليه . وها هو أحدهم يريد الرحيل عن هذه الدنيا ، فيرى قلبه موثقاً بآلاف السلاسل والقيود تشدّه من كلّ صوب وحدب إلى هذه الأمور . كلّ قسم من أمواله يجرّ بقلبه اليه ، أصدقاؤه وأحبّاؤه يجرّونه إليهم ، أولاده وزوجته وعشيرته يجرّونه إليهم ، الآمال الطوال التي تعاهدها في خياله فصار لها - اثر التوهّم والتخيّل - موجوديّة تخيّليّة وموهومة ، هذه الآمال تجرّه إليها هي الأخرى ، وها هو هذا الشخص يريد الرحيل ويحاول الحركة . فما الذي يعنيه ذلك ؟ أي أنّه قد حزم أمتعة السفر إلى الآخرة ، فهو يريد التوديع إلى حيث لا رجعة ولا عودة ، إلى حيث لن يرى وجه هذا العالم من جديد ولو للحظة واحدة ، إلى حيث تودع كلّ هذه الذخائر والأحبّة والمقاصد في زاوية النسيان ، حتّى أنّه يلحظ بأمّ عينيه انّ بدنه - مع العشق الذي كان يمتلكه له ، ويجعله يتوسّل بالطبيب لعلاج خدش في جلد يده - ينبغي أن يُقبر في التراب أمام أنظاره ، فيصبح طعاماً لحيّات الأرض وديدانها ، ويصبح محلّ دفنه مكاناً لتجوال الزواحف الأرضيّة ، وتستحيل مسارب بدنه محلّ ترددّ الحيّات والعقارب ، ويرى انّ التراب الثقيل سيُهال أكداساً على جثّته فتتبدّل في طياتها إلى تراب ورماد . يرى كلّ ذلك مجسّماً أمام ناظريه . ومن جهة أخرى فانّه لم يتحرّك على أساس من منطق الوجدان والعقل ، ولم يسعَ لإنارة طريق آخرته ، ولم يتعرّف على ناموس الله ، بل كان على الدوام في حال نزاع وجدال وخصومة مع العلوم الباطنيّة وعوامل تجرّد النفس ، وكان منحرفاً عن سبيل العدالة ، متعدّياً على حقوق نفسه